عفيف الدين التلمساني
289
شرح مواقف النفري
فهو بأحواله وأقواله يذكر الموصول نعم اللّه عليه . وأما قوله : وادخل إليّ بغير إذن ، فهو إشارة إلى أن هذا العبد سقط عنه الترتيب بمقتضى مفارقته الفعل الذي هو شرط التكليف . وأما قوله : فرأيت كلما أظهر إبرة إلى آخره ، فسوف نشرحه في التنزل الذي بعد هذا . قوله : ( وقال لي : اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه وإذا خرج فلا تمدّه وافرح فإني لا أحبّ إلا الفرحان ، وقل لهم قبلني وحدي وردّكم كلكم فإذا جاؤوا معك قبلتهم ورددتك وإذا تخلّفوا عذرتهم ولمتك ، فرأيت الناس كلهم براء ) . قلت : اعلم أنه ذكر في التنزل الذي قبل هذا أنه كلما أظهر إبرة وكلما أستر خيطا والذي يظهره إنما هو مقتضى العلم ، والذي يستره إنما هو مقتضى المعرفة ، فالمعرفة إذن بمنزلة الخيط والعلم بمنزلة الإبرة ، وبين الإبرة والخيط ارتباط شبه ارتباط ما بين العلم والمعرفة ؛ وذلك أن الإبرة تنصرف والخيط يربط ما تعرفت فيه بعض ببعض . فقوله ههنا اقعد في ثقب الإبرة أي في مجرى المعرفة من العلم ، وهو الثقب الذي أمره أن يقعد فيه ليكون في مجرى المعارف ، ثم أمره أن لا يعارض المعارف وهي المعبر عنها بالخيط فلا تمسك الخيط في دخوله ولا تمده في خروجه ؛ وذلك أن هذه المعارف المرتبطة بالعلم ارتباط باطن بظاهر هي المعارف الخاصة ، وكونه في ثقب الإبرة هو منها في محل مجراها . وقوله : اخرج ، معناه أنه أشهده حقيقة توجب له الفرح فهذا القول هو بمعنى الفعل . وأما كونه لا يحب إلا الفرحان فإن الفرح هو من عالم الجمال ، وهو حضرة الرحمن ، والرحمة من عالم الفرح بل عالم الفرح هو من الرحمة ، والرحمة من الرحمانية ، ثم إن غير الفرحان لم يوجب عدم فرحه إلا لانقطاعه وحجابه وبعده واغترابه وكونه ليس من المقربين فكيف يكون من هذه حاله محبوبا فلا جرم قال فإني لا أحب إلا الفرحان . قوله : وقال لي قبلني وحدي وردكم كلكم ، فإن الحضور بين يديه لا يمكن أن يكون العبد إلا وحده ، والجمع مردود ؛ وذلك لأن حضرته تعالى تنفي الأغيار . وقوله : فإذا جاؤوا معك قبلتهم أي لا أخيبهم لصحبتهم إياك ، لكني أردك ؛ لأن قبولك ليس كقبولهم ، لأن